المنجي بوسنينة

279

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

ومن ثمّة ترك وصيّته حول دوران الأرض : « ليست حركة الأرض دورا بقادحة في علم الهيئة شيئا ، بل تطرد أمورها معها على سواء . . . » [ البيروني ، تحقيق ما للهند ، 232 ، ط حيدرآباد 1958 م - و - ت ] . وعلى مقتضى هذا الخيار ، أصلح البيروني أقوال بطليموس في جاذبيّة الأرض ، وعمل بكون الأجسام الموجودة على سطح الأرض أو في جوّها ، تعتبر طبيعيّا ملتحمة بها لا تفارقها . وهذا ما قاده إلى وضع قانون الجاذبيّة بقوله إنّ حركة الأجسام المنفصلة نحو الجسم المركزي يقرّرها كبر الجسم المركزي لا ثقل الجسم المتحرّك ، وفي كتابه التنجيم قارن البيروني الجاذبيّة الأرضيّة بجاذبيّة بين كرة اصطناعيّة كبيرة ودبيبة صغيرة جدّا تقع عليها ، وبصراحة هذه الفكرة يبدو أنّ الخازني لم ينتبه إليها ، في حين نسبها إلى نفسه نيوتن الألماني . وبفضل هذا التّعليل الجديد للجاذبيّة بين الأجسام ، لم يمتنع البيروني من تفسير اكتشاف أستاذه أبو الوفاء البوزجاني لاضطراب كوكب القمر ، ولئن عبر أبو الوفاء عن هذا الخلل بلفظة : اختلاف القمر La Variation فإنّ البيروني كان أدقّ منه حين عبّر عنه باختلاف اختلاف القمر [ البيروني ، القانون ، 2 / 789 ، طبعة حيدرآباد 1947 ] ومصطلح « اختلاف اختلاف » يقصد به البيروني التّسارع أو التباطؤ حسب ملاحظات أستاذه البوزجاني : « . . . وجدنا موضعه [ القمر ] بالحساب الذي صحّحناه بالاختلافين اللّذين قدمنا ذكرهما في أكثر من ذلك الموضع أو أقلّ منه بنحو من نصف وربع جزء . . . » . ومن غريب الصدف نعاين أنّ إسحاق نيوتن بدوره ترجم نفس المصطلح تقريبا لتعريف تسارع القمر [ David Bergamimi , Variation de la Variation , Les Mathematiques , p . 101 , ED 1995 ] ولئن أيّد سيديوت المستشرق الفرنسي هذا الرأي فإنّ بعض المستشرقين في موسوعة رشدي راشد يرفضونه بدون تقديم الحجّة . أمّا في خصوص شكل الأرض وأخبار أبعاد الأجرام السّماويّة فهي مسائل معلومة ، مثل أنّ الأرض كرويّة الشكل وأنّ الشمس أكبر من الأرض ، وأنّ الأرض أكبر من القمر وما إلى ذلك ، نجده بالتّفصيل في أكثر كتب علماء العرب وحتّى في كتب الغربيّين أمثال كوبرنيكس وتيخوبراهي في القرن السادس عشر ميلادي ولا أحد منهما تعدى محاولات البتّاني أو البيروني ، لكن ما تجدر الإشارة إليه هو أنّ البيروني لم يقتنع بالنّظرية القائلة بأن شكل الأرض كروي بل بيّن أنّ لها شكل البيضة تماما [ البيروني ، القانون ، 1 / 46 ] . وقد اعتمد البيروني في إنجاز أعماله العلميّة الكثيرة على ما كان متوفّرا في عصره من أدبيات معاصريه ، ومن سبقهم من علماء العرب والمسلمين ، وغيرهم من علماء الأمم السابقة التي نقلت علومها ومعارفها إلى اللّغة العربيّة ، ولا ننسى طبعا أنه ساهم هو نفسه في نقل هذه العلوم والمعارف لمعرفته المعمّقة بالعديد من لغات الشعوب المجاورة والبعيدة . وتميّز أبو الريحان في ذلك كلّه بأمانة النقل ، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه ، فيرجع كلّ معلومة علميّة وكلّ حقيقة يستند إليها في أبحاثه إلى أصحابها الحقيقيّين ،